Mute

يغالون بمدح العشائر والوجهاء والسياسيين: المهاويل ظاهرة تجتاح المناسبات في الجنوب

حيدر الحسيني / ميسان

 ظهرت في السنوات الأخيرة شخصيات تقوم بمدح الأحياء والأموات من شيوخ العشائر والشخصيات العادية أثناء حفلات الزفاف ومراسيم تأبين الموتى من الشخصيات الاجتماعية مثل زعماء القبائل وغيرهم، ويطلق الناس على هؤلاء المداحون تسمية "المهوال".

 

يتبوأ عدي الكعبي (٣٧ عاما) مكانة جيدة بين المداحين او "المهاويل" في ميسان وهو رئيس رابطة مهاويل المحافظة، يقول إنه اعتاد على إلقاء الشعر بمقامات عراقية أصيلة ومؤثرة في المناسبات وخصوصا الحزينة فهو يستخدم أبيات الشعر الشعبي الحماسية لإثارة تعاطف الناس.

 

وغالبا ما يتميز المهوال بقدرته على الإلقاء الحماسي في مختلف المناسبات، فهو يبرع في مدح القبائل والوجهاء بمختلف المناسبات لينال استحسانهم وعطاءهم ويحصل على مبالغ مجزية لقاء مدحه تلك الشخصيات، وبرغم ان وجود تلك الشخصيات في المجتمع ليس حديثا، إذ اشتهر العديد من الشعراء في التراث العربي بتقربهم الى الولاة والسلاطين ومدحهم بأبيات شعرية لقاء حصولهم على الأموال والهدايا الثمينة، لكن الاختلاف بين الشعراء المذكورين والمهوال هو ان الأخير يلقي شعره باللغة الجنوبية الدارجة مستخدماً الشعر الشعبي.  

 

وهناك مناسبات عدة تستقطب المهوال منها (العراضة) أي توديع شيخ العشيرة في مراسيم خاصة بعد موته يستخدم فيها الرصاص الحي الذي يطلق في الهواء و(الزفة) أي حفلات الزفاف التقليدية التي تتم باستعراض العروسين في الشوارع العامة احتفالا بهما.

 

لكن المهاويل لا يختصون فقط بتلك المناسبات بل إن الكثيرين منهم يطلقون أهازيج وقصائد حول خيانة الصديق والشجاعة لبعض الرجال بل إن بعضهم تعدى الأمر به لإطلاق أهازيج حول السياسة.

 

ومن المهاويل الذين اشتهروا بتوجيه رسائل سياسية هو المهوال عاشور الاسدي الذي خاطب البرلمان العراقي بأهزوجة خاصة وصف فيها وضع العراقيين في ظل البرلمان المنتخب.

 

وتملك بعض العشائر مهوالا خاصا بها تتباهى به بين العشائر في تلك المناسبات وغالبا ما يقوم المهوال بقيادة مجموعة من الشعراء الشعبيين من أبناء مهنته ويردد الأهازيج معهم.

 

المهوال علي سامي يقول إن أسماء لامعة لشعراء شعبيين ومهاويل مرت في تاريخ الأهازيج الشعبية كما أن تاريخ القبائل العراقية خلد البعض من كبار المهاويل الذين نظموا الشعر وحفظوه ورددوه في مآثر العشائر ومناسباتهم، كما اقتصر بعضهم على نظم الشعر لعشيرته وذكر مآثرها في المناسبات العامة والخاص.

 

 وفي الآونة الأخيرة انتشرت ظاهرة ترديد الشعر والأهازيج في مناطق الجنوب مع هيمنة سلطة العشائر على الحياة الاجتماعية وظهور العشرات من المهاويل الذين استقطبوا جمهورا خاصا من الشباب، ما دفع جمعية الشعراء الشعبيين لإنشاء رابطة خاصة بالمهاويل.

 

 الشاعر إسماعيل الموسوي يقول "ألتف حول المهاويل جمهور ومعجبون يتتبعونهم في كل مناسبة لسماع أهازيجهم والتقاط الصور معهم، كما انتشرت أشرطة الفيديو على صفحات الانترنت لعدد من مهاويل ميسان وبعض المحافظات الأخرى والتي يتناقلها الشباب ويدمنون سماعها".

 

ويقول احمد عريبي وهو صاحب محل لبيع أجهزة الموبايل ان "هناك انتشارا كبيرا لمقاطع الفيديو الخاصة بمهاويل ميسان، فلا يمر يوم دون أن نتلقى طلبات لتحميل تلك الأهازيج على الموبايلات أو شراء الأقراص المدمجة والتي تستخدم في السيارات".

 

 

  ويتقاضى المهاويل مبالغ مالية عن كل مناسبة ، ويتباين ما يحصلون عليه بحسب الشهرة، لكن معدل ما يكسبه المهوال بشكل عام  يناهز ( 400 دولار) في كل مناسبة، يأتي بعضها على شكل هبات من الحضور، اذ يتعمد المهوال مدح بعض الوجهاء والشيوخ والسياسيين من الحضور بقصد الحصول على المال.

 

ويربط المهوال عدي الكعبي  نـَظم الشعر والمدح الحالي بالتراث القديم الذي تعود أصوله لشعراء اللغة العربية الكبار قبل الإسلام وبعده، مبينا لـ"نقاش" أن "الشعراء العرب استخدموا الهجاء لذم خصومهم مثلما استخدموا المديح. أما اليوم فيحاول معظم المهاويل الابتعاد عن الذم والنقد تجنبا لإثارة المشكلات، وعادة ما نتولى الرد على بعض التجاوزات التي تحصل في مناسبات خاصة كالفصول العشائرية وحل النزاعات أو حين يتفاخر شاعر ما بمآثر قبيلته فيكون الرد شعرا بطريقة المساجلة".

 

ولم تعد مشاركة المهاويل تقتصر على مجالس العزاء أو الأعراس، فهم يستدعون بالمناسبات الأخرى كإخلاء سبيل معتقل أو عودة الحجاج أو استقبال شخصية سياسية أو في بعض المهرجانات.

 

 ولا يحتاج المهوال لدراسة الشعر، فبعضهم لا يجيد القراءة ولا الكتابة، لكنه حظي بملكة الحفظ والنظم، فالمهوال حيدر الكعبي  (36 عاما) يعمل فلاحا لكنه يحفظ الشعر عند سماعه مرة واحدة ويصف ذلك بالولع قائلا "جعلني الولع بفن الشعر الشعبي أحفظ كل شيء وأسير في أثر الشعراء الكبار إذ كان جدي احد المهاويل المعروفين على مستوى جنوب العراق، فأخذت عنه محبة الشعر وحفظه وتعلم المقامات وأداءها".

 

غير أن ظاهرة المهاويل تواجه بالنقد من بعض شيوخ العشائر بسبب تجاوز المديح للحدود المعقولة ووصف الاشخاص بصفات لا يملكونها ويقول عمار العلي وهو شيخ عشيرة لـ" نقاش" ان "هناك مديحا يفوق الواقع وغير منصف، فالمهوال عادة ما يتواجد في كل المحافل العشائرية ويمدح هذا ويرفع من شأن ذاك من اجل المال، وهو ما ينافي الحقيقة لأن من مدحهم قد لا يستحقون الثناء".

 

ويفسر عبد المحسن العقابي وهو كاتب ومؤرخ  بروز وانتشار المهاويل بالنتاج التراكمي لاستفحال العشائر أو الطبقة العشائرية على سلطة الدولة وتعاليها على القانون خلال العقود السابقة، ويقول لـ"نقاش" إن "التمجيد والتعظيم يولّد تفاخرا وزهوا لا مبرر حقيقيا لهما بين أبناء القبيلة، ما أنتج نزاعات دموية وتشددا وصراعات بين أبناء المدينة الواحدة".

 

وبرغم تلك الانتقادات طوّر المهاويل فن الأهزوجة الشعبية من خلال التنوع بالإلقاء والاعتماد على التناوب، فترى ثلاثة منهم يتغنون ويتبادلون الأهازيج ويتلاعبون بالمقامات في المحافل والمناسبات الكبيرة، وهي أساليب لم تكن سائدة سابقا، بينما وجد بعض الشعراء ضالتهم بكتابة قصائد المناسبات وإطلاقها على ألسنة المهاويل كسبا للشهرة والمال.

Tweet